مؤيد الدين الجندي
399
شرح فصوص الحكم
الظاهر فيها أن يظهر عليها وعنها أفعاله ، فالفعل فيها إذن للربّ لا لها ، والربّ راض بفعله ، لعلمه أنّ ذلك الفعل المطلوب المحبوب لا يمكن وجوده إلَّا في هذا المربوب المحبوب ، فرضي الربّ عن عبده ، ورضي العبد عن ربّه في كل ما فعل فيه وبه ، فهو راض مرضيّ محبوب . قال - رضي الله عنه - : * ( أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَه ُ ثُمَّ هَدى ) * « 1 » ، أي بيّن أنّه أعطى كلّ شيء خلقه ، فلا يقبل النقص والزيادة » . لمّا رضي كلّ ربّ - من الأسماء الإلهية وحقائق الربوبية من الأعيان - مظهرا أظهر عليه وفيه وبه أفعاله وآثاره ، كما يحبّ ويرضى ، وقد وفّى للمظهر حقّه ، فقد أعطى لكل شيء خلقه بموجب ما تقتضي خليقته ، فبيّن له بفعل ربّها فيها أنّها كانت على هذا الخلق والخلق الذي ظهر فيها وعليها . قال - رضي الله عنه - : « فكان إسماعيل عليه السّلام بعثوره على ما ذكرناه * ( عِنْدَ رَبِّه ِ مَرْضِيًّا ) * « 2 » وكذا كلّ موجود عند ربّه مرضيّ ، ولا يلزم [ على ما بيّنّاه ] - إذا كان كل موجود عند ربّه مرضيّا - أن يكون مرضيّا عند ربّ عبد آخر ، لأنّه ما أخذ الربوبية إلَّا من كلّ ، لا من واحد ، فما تعيّن له من الكلّ إلَّا ما يناسبه ، فهو ربّه [ خاصّة ] ، ولا يأخذ [ ه ] أحد من حيث أحديته » . يعني - رضي الله عنه - : أنّ حصّة كل أحد من مطلق الربوبية وإن كانت معيّنة مخصوصة ، ولكنّها ما تعيّنت ولا تخصّصت إلَّا من الكلّ بحسب خصوصيته ، فناسب خصوص قابليته من مطلق الربوبية ما اقتضته ، فرضي كل واحد من الربّ والمربوب بصاحبه ، لمناسبة معه ، ولا يلزم أن يناسب تلك الربوبية المخصوصة بخصوصية عين أخرى ، هذا ما لا يكون له أبدا ، فإنّ الخصوصيات تميّز بعضها عن بعضها بما به المباينة والامتياز ، فلا يتشارك في الخصوصيات ، فتكون كل عين مرضيّة عند ربّها خاصّة ، فلو أخذت الربوبية من واحد معيّن ، وأخذ منه كذلك غيرها ، لكانت الربوبية المعيّنة
--> « 1 » طه ( 20 ) الآية 50 . « 2 » مريم ( 19 ) الآية 55 .